الخطيب الشربيني

34

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يصح أن يكونا متداخلين أو مترادفين وأن يكونا من كلام الله تعالى وحكاية لقولهم . ولما ذكر تعالى أفعالهم وأقوالهم أتبع ذلك بذكر إنفاقهم وهو الصفة الخامسة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا أي : للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب أو مباح لَمْ يُسْرِفُوا أي : لم يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير فيضيعوا الأموال في غير حقها وَلَمْ يَقْتُرُوا أي : لم يضيقوا فيضيعوا الحقوق وَكانَ أي : إنفاقهم بَيْنَ ذلِكَ أي : الإسراف والإقتار قَواماً أي : وسطا . تنبيه : اسم كان ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله تعالى : أنفقوا وخبرها قواما ، وبين ذلك معمول له ، وقيل : غير ذلك وذكر المفسرون في الإسراف والتقتير وجوها ؛ أحدها : قال الرازي وهو الأقوى وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقتير ، وبمثله أمر صلّى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء ، 29 ] إذ يقال : ما عال من اقتصد ، وسأل رجل بعض العلماء ما البناء الذي لا سرف فيه قال : ما سترك من الشمس وأكنك من المطر ، قال : فما الطعام الذي لا سرف فيه ؟ قال : ما سد الجوعة ، قال : فما اللباس الذي لا سرف فيه ؟ قال : ما ستر عورتك وأدفأك من البرد ، ثانيها : وهو قول ابن عباس : الإسراف النفقة في معصية الله تعالى ، والإقتار منع حق الله تعالى ، وقال مجاهد : لو أنفق أحد مثل جبل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله تعالى لم يكن سرفا ، ولو أنفق صاعا في معصية الله تعالى كان سرفا ، وقال الحسن : لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عما ينبغي وأنشدوا « 1 » : ذهاب المال في حمد وخير * ذهاب لا يقال له ذهاب وسمع رجل رجلا يقول : لا خير في الإسراف ، فقال : لا إسراف في الخير ، وعن عمر بن عبد العزيز أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوجه ابنته وأحسن إليه فقال : وصلت الرحم وفعلت وصنعت وجاء بكلام كثير حسن فقال ابن لعبد الملك إنما هو كلام أعده لهذا المقام ، فسكت عبد الملك ، فلما كان بعد أيام دخل عليه والابن حاضر فسأله عن نفقته وأحواله ، فقال : النفقة بين الشيئين ، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه : يا بني هذا أيضا مما أعده ، وثالثها السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا وإن كان من حلال ؛ لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء ، فكانت الصحابة لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم ويلبسون ما يستر عوراتهم ويقيهم من الحر والبرد ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كفى سرفا أن لا يشتهي الرجل شيئا إلا اشتراه فأكله ، وقرأ نافع وابن عامر يقتروا بضم التحتية وكسر الفوقية من أقتر ، وابن كثير وأبو عمر بفتح التحتية وكسر الفوقية والكوفيون بفتح التحتية وضم الفوقية . ولما ذكر تعالى ما تحلوا به من أصول الطاعات أتبعه بذكر ما تخلوا عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر وهو الصفة السادسة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ أي : رحمة لأنفسهم واستعمالا للعدل مَعَ اللَّهِ أي : الذي اختص بصفات الكمال إِلهاً آخَرَ أي : دعاء جليا بالعبادة ولا خفيا بالرياء ، ولما نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها أتبعه نفي قتل غيرهم بقوله سبحانه : وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ رحمة للخلق وطاعة للخالق ولما كان من الأنفس ما لا

--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .